2017/11/21

في برلين.. سقوط حائط المعارضة السودانية!

الأمر المحير فى شأن قوى المعارضة السودانية أنها دائماً ومنذ أن تحالفت فما عرف فى تسعينات القرن الماضي بالتجمع الوطني الديمقراطية أنها رسخت انطباعاً سياسياً راسخاً يتمثل فى أمرين: الأمر الأول انها لا تجيد تحالف الحد الأدنى على الإطلاق، إذ أنها حالما تتحالف وتتخذ لنفسها مسمى سياسي حتى تنشب الخلافات العميقة وتبدأ في التآكل والانهيار تدريجياً حتى تنهار بالكامل.
حدث ذلك كما اشرنا فى تجربة التجمع الوطني الشهير، فقد ظلت هذه القوى في حالة خلاف منذ مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية 1995 وحتى العام 2005 حين تم التوقيع على اتفاقية نيفاشا بين الحكومة والحركة الشعبية وظلت الخلافات تتناسل حتى تم قبر التجمع وتسوية مقبرته بالأرض بلا شاهد عليها ولا دليل. وحدث ذلك أيضاً فيما يعرف بقوى الإجماع الوطني التى تفرقت بها السبل وظلت تعيش خلافاتها تباعاً حتى قضى عليها الحوار الوطني -بضربة واحدة- قبل عام مضى ولم يعد هذا المسمى المسكين يتداوله أحد.
الأمر الثاني، أنها لا تثق في قدراتها ومكوناتها الداخلية المحلية مطلقاً! قوى المعارضة دائماً تبحث عن (أرضة أجنبية) تنشئ عليها بنائها السياسي، وتحبذ وجود (معلمين أجانب) يقوموا بمهمة إنشائها وتوحيدها، ويروق لها أن تعقد مؤتمراتها في الخارج، في العواصم الأجنبية. فعلت ذلك في مؤتمر اسمرا المذكور ثم تلته بفكرة قوى الإجماع الوطني في جوبا وهاهي الآن -للأسف الشديد- تتطلع الى توحيد قواها هذه المرة في برلين، في عمق القارة الأوربية! الامر على هذه الشاكلة شبيه بمن يبحث عن الداء لداء مستشري في جسده ولكنه بدلاً من ان يشخص الداء ثم يبحث عن الدواء فإنه يبحث عن دواء لداء لم يتم تشخيصه ولا معرفة مكانه من الجسد!
لا يدري أحد ما هي طبيعة المهمة التى ستقوم بها العاصمة الالمانية برلين فى توحيد رؤى قوى المعارضة السودانية؟ في الوقت الذي فيه قضت في هذه القوى حتى الآن ربع قرن من الزمان وهي في حالة تشرذم وتنافر حتى حيال قضية الحوار الوطني والتي لو توحدت فقط قوى المعارضة في التعاطي معها لتغيرت وجهة التاريخ في السودان في غضون عام واحد فقط.
إن العواصم الأجنبية -إقليمية كانت أو دولية – هي محض بلدان أجنبية من المستحيل أن يكون لديها اهتمام بمصالح السودان العليا بأكثر مما هي لدى بني السودان أنفسهم . كما أن الساسة المعارضين السودانيون ليسوا في حاجة إلى (محاضرات سياسية) يلقيها عليهم اجانب لفهم واستيعاب أبجديات العمل السياسي الوطني، بل إن الدولة المضيفة ومهما كانت قرب أو بعيدة من قوى المعارضة غالباً ما يساورها شعور بالازدراء حيال ساسة يبحثون عن وحدتهم وراؤهم في بلد آخر!
أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة فهو أن قادة سياسيين ذوي تجارب أو هكذا يزعمون يعتقدون أن الانطلاق من بلدان ديمقراطية يتيح لهم تحقيق ما عجزوا عنه حينما ينطلقون من الداخل! إن مأساة قوى المعارضة السودانية في الواقع هي وجه العملة الآخر للأزمة السياسية السودانية إذ لن يصدق احد على مستوى العالم كله، إن قوى سياسية ذات خبرة عجزت عن اغتنام عشرات الفرص والسوانح التي قدمتها لها الحكومة السودانية والتى كانت كافية -إذا ما جرى استثمارها بذكاء و مهارة- أن تحدث طفرة في الممارسة السياسية في السودان.
لن يصدق أحد ان قوى المعارضة هذه (ركلت) برجليها وبقوة مائدة الحوار الوطني قبل ان تجرب وتتذوق ما هو معروض عليها فيها وفضلت بدلاً عن ذلك البحث عن مستقبلها السياسي في العواصم الأوربية. الأمر بهذه الشاكلة ربما لا يعدو كونه نوعاً من التبرك بسقوط حائط برلين!

 

خاص: سودان سفاري



جميع الحقوق محفوظه © وزارة الاعلام